• 2021-05-11

شهر يغفل عنه الناس

الشيخ عبدالناصر عبدالله

الكاتب / الشيخ عبدالناصر عبدالله

نعيش هذه الأيام موسماً فاضلاً قلَّما ينتبه الناس إلى ما فيه من عطايا ومكارم من رب العالمين.. نعيش شهر شعبان الذي كان يلقى من الحفاوة عند رسول الله ﷺ ما لا يلقاه غيره من الشهور إذا ما استثنينا شهر رمضان المبارك.
وقد علَّل النبي ﷺ اهتمامه بشهر شعبان بأنه شهر يغفل عنه الناس، فعن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال ﷺ: (ذلك شهر يغفل عنه الناس، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفَعَ عملي وأنا صائم)
نعم.. إنه شهر يغفل عنه الناس كغيره من أوقات الغفلة التي لا يدرك كثير منا أهميتها، وربما تمر علينا دونما استثمار أو استغلال، وربما خطر على بالنا أن نقضيها في كل شيء إلا الطاعة والعبادة، إلا من رحم الله منا.
ومعلوم أن الطاعة والعبادة وذكر الله سبحانه واللجوء إليه في زمن الغفلة وانشغال الناس.. كل ذلك من دلائل هداية الله لعبده وتوفيقه له واصطفائه دون الآخرين.. فمن وفقه الله إلى ذلك فليحمد الله، ومن حرم هذا الفضل فليفتش في نفسه لعل فيها من الخلل ما يمنع هذا التوفيق (وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزقَ بالذَّنْبِ يُصيبه).
تأمل جيداً لتكتشف أن الله سبحانه يحب أن يكون العبد واعياً منتبهاً، ذاكراً ربه حين يغفل الناس.. ألا ترى (أن شرف المؤمن قيامه بالليل) حين يهجع الناس وينامون؟!! لكن فئة موفقة من عباد الرحمن استحقوا ثناءه سبحانه في قوله {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
حين يستنفد الناس كل قواهم العقلية والذهنية داخل الأسواق في البيع والشراء والجدال والفصال، وفي المجالس بالغيبة والنميمة والفارغ من القول، يستحق أقوام كرم الله سبحانه، لأنهم ما غفلوا عن ذكره {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}
يأتي شهر شعبان ليعلمنا أن الغفلة مصيبة عظيمة، وأن على المسلم أن يقاومها بدوام الذكر والشكر، وأن يعلم أن ما عند الله من فضل لا يناله الغافلون المتكاسلون المفرطون (وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ).
فيا من أكرمه الله بإدراك شعبان.. اعلم أن عظم الأجر والثواب، على قدر المجاهدة والمشقة.. تقول أمّنا عائشة رضي الله عنها (إن لك من الأجر على قدر نصبك).
يا من أدرك شعبان.. لو دفعت الأموال، وبذلت الغالي والنفيس، فإنك لن تحظى ببرنامج تدريب عملي يؤهلك بدنياً ونفسياً لحسن استثمار شهر رمضان المبارك كهذه الأيام الفاضلة، لأنك لو أحسنت استغلال شهر شعبان، فإن حالك -ولا شك- لن يكون كحال من تفاجأ بدخول رمضان ولم يستعد له.
اللهم بارك لنا فيما بقي من أيام شعبان، وبلغنا رمضان، وأعنا فيه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل لنا أوفر الحظ والنصيب من بشارة النبي ﷺ لمن صام وقام رمضان وقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً (غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ).
والله من وراء القصد

آخر المقالات

  • مبارك الخاطر: مشاركاته الإدارية في نادي الإصلاح (2)

    2021-05-11

    اعتنى عدد من أعضاء الجمعية -ولي الشرف أن كنت أحدهم- بجمع، وترتيب، وتوثيق كل ما يتعلق بوثائق النادي التي هي ذات علاقة بالهيئة الإدارية (مجلس الإدارة) منذ تأسيسه إلى عام ١٩٧٥، وذلك قبل نحو أكثر من عقدين. كما اعتنى الدكتور هشام الشيخ بجمع كل تلك الجهود،...

  • القطط

    2021-05-10

    يُعد هذا السلوك من غريزيّات القطط الطبيعيّة، ولكن الأمر لا يعود لهوس القطط بالنظافة فحسب. بل الأمر أكثر تعقيدًا وإثارةً للدهشة، قد تبدو رائحة فضلات هذه الحيوانات مماثلة بالنسبة لنا، ولكن القطط يمكنها معرفة إذا ما كانت هذه الفضلات تعود لها أم أنّها تع...

  • عبد العزيز الحسن ... في ذمة الله من بيت الخليل فى المحرق إلى السفارة فى عمّان

    2021-03-10

    من حسن حظي وأنا أسطر وأرتب المعلومات عن العم عبدالعزيز الحسن، أنني أحتفظ بما أُجري معه من مقابلات فى الصحف المحلية على فترات متباعدة ، وما دونته ، وما كتبه عنه بعض الأصدقاء . ورسائله إلى أبيه، وشيء من ذاكرتي وذاكرة إخواني عن العائلة. عاش العم طفو...

  • سنابل الخير

    2021-03-10

    دأبت سنابل الخير منذ تأسيسها ١٩٩٩ إلى تقديم أجود الخدمات والرعاية ذات الطابع المؤسسي لصالح الأيتام عاملةً بقوله تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ"، و مهتديةً بالهدي المحمد...

  • فخ التبرير

    2021-02-09

    عندما اخترعت البشرية فعل "التبرير"، كان القصد أن يُستخدم بتقنين وحذر شديدين عند الحاجة الملحة فقط لتسوية عتاب بسيط أو سوء فهم عابر. وبالفعل ظلّ التبرير يُستخدم في هذا السياق لأزمنة عديدة كفعل حسن ومنعوت وبعيد عن التكلف. تعاقبت الدهور وتوالت الأجيال و...